السيد مهدي القزويني

38

المزار

أنيس ، ولا يبتغي بغير الكتاب جليس ، ولا يرغب بلذة سوى التدريس . قد ألقى زمام نفسه ليد التقوى ، فلا يعوقه عن طاعة ضعف قوى . سفره إلى بيت اللّه الحرام حتى إذا قارب انقضاء مدّة الأجل المبهم ، وما خطّه القلم « 1 » في لوح القضاء المحتم ، ولم يبق منهج للطاعة إلّا اتخذه سبيلا ، ولا غاية للانقياد إلّا وكان إليها وصولا ، تاقت نفسه إلى حجّ بيت اللّه الحرام ، واشتاقت إلى زيارة قبر النبي والأئمة عليهم السلام ، فأيقظ طرف عزمه فذلل له كلّ صعب ، واستشعر لباس النسك فأورده المنهل العذب . فامتطى غوارب النجائب ، ونكب عن ذكر العواقب جانب . فسرت تقدّ بأخفافها نصب السير وجيفا وإرقالا « 2 » ، ملبّيا قوله عزّ من قائل : « وأذن للناس في الحج يأتوك رجالا » « 3 » ، فمرّت به مرور النسائم ، تترامى بها النجود والتهائم ، جاعلا لهب الهجير لحرّ وجهه مقيلا ، صارفا إلى الآخرة وإنّها لأعظم درجات وأكبر تفصيلا ، حتى تسنّم ذروة الأباطح عند أول بيت وضع للناس ، وتنسم نسائم القبول من مهابط الوحي بين منازل آبائه الذين أذهب اللّه عنهم الأرجاس . فأدّى بين هاتيك المشاعر فرضه ونفله ، وأقام صدور العيس « 4 » يتجاذبن رداء البيد نزولا ورحلة ، معرّجا على مثوى الرسالة ، ومرقد الصفوة من خير سلالة ، فطابت نفسه بطيبة ، واستنشق من أرج النبوة نشره وطيبه . وفاته ومدفنه حتى إذا قضى منها وطر العميد ، وكرّت به قوافلا بنات العيد ، ظهرت مخائل السقام ، واعتاقه دون الوصول إلى الغري شرك الحمام ، فدعي

--> ( 1 ) في نسخة ( ب ) : اللّه . ( 2 ) الوجيف والارقال : نوعان من سير الإبل ، على غرار المشي السريع . ( 3 ) سورة الحج ، الآية : 27 . ( 4 ) العيس : الإبل .